أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

324

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

رجال ، كأنما خلقت قلوبهم من حديد ، وأكبادهم من جلاميد ، يستأنسون بأهوال الوقائع استئناس الظماء بماء الشرائع ، فصافوا عسكر السلطان مرعدين بالبطش والبأس ، مبرقين بصوارم الأسياف . وجعلوا يهرّون في [ 176 أ ] وجوههم هرير الكلاب أعياها الفرار ، وأحرجتها الأحجار ، فأمر السلطان بمداركة الشدّ عليهم « 1 » على ما أوجبه حكم الاحتياط ، إذ كانوا مستندين إلى معاقل « 2 » وثيقة ، ومعتصرين بخنادق عميقة ، حتى إذا انتصف النهار على وقاحتهم في مغامسة الحرب ، ومعامسة « 3 » الطعن والضرب ، أشار بتوليتهم الظهور على وجه الاستدراج والاغتيال ، فاغترّوا بخدعة « 4 » الانقلاب ، وانفضّوا عن مواقفهم إلى فسحة الفضاء ، لاغتنام فرصة الانهزام ، فكّرت عليهم الخيول بضربات غنيت بذواتها عن أخواتها ، فلم ترتفع واحدة منها إلا عن دماغ منثور ، ونياط مبتور . وصرع في تلك المعركة الواحدة رجال كهشيم المحتظر ، أو أعجاز نخل منقعر . وملك الأسر عظيمهم المعروف بابن سوري بأقربيه وذويه ، وسائر خدمه « 5 » وحواشيه . وأفاء الله على السلطان ما اشتمل عليه حصاره من ذخائر الأموال والأسلحة التي اقتناها كابر عن كابر ، وتوارثها كافر عن كافر . وأمر السلطان بإقامة شعار الإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع والرباع ، فأفصحت بذكره منابرها ، واشترك في عزّ دعوته « 6 » باديها وحاضرها . ورجع [ 176 ب ] بعد ذلك عن وجهه على جناح اليسر والنجاح ، والظفر المتاح . وحين رأى ابن سوري « 7 » حصوله في ذلّ إساره ، واستباحة السلطان ودائع حصاره ، تبرّم بحياته ، واستراح إلى برد وفاته ، فامتصّ

--> ( 1 ) ساقطة في ب . ( 2 ) وردت في الأصل : معاقيل . ( 3 ) وردت في الأصل : مصابرة . والمعامسة : شدة الحرب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 6 ، ص 147 ( عمس ) . ( 4 ) وردت في الأصل : بخده . ( 5 ) ساقطة في ب . ( 6 ) وردت في الأصل : دعوتها . ( 7 ) وردت في ب : ابن شوري .